النويري
29
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأجودها ، وأبقاها على النار ، وأعبقها بالثياب . قال : ولم تكن التّجار تجلبه في الجاهليّة ولا ما بعدها ، إلى آخر أيّام بنى أميّة ، ولا ترغب في حمله ، لأجل المرارة التي في رائحته ؛ وإنّما كانت الأكاسرة تتبخّر بالمندلىّ والقمارىّ « 1 » والسّمندورىّ والصّنفىّ لشدّة حلاوة روائحها . وزعم أنّ تلك الحلاوة تولَّد القمل في الثّياب . قال : ولم يكن الهندىّ يعرف في هذه الأمصار ، ولا كانت التّجّار تجلبه مع معرفتها بفضله فلمّا كان في آخر أيّام الدّولة الأمويّة عندما كثر الاختلاف بينهم ، وقلَّت الأموال في أيديهم ، شرعوا في مصادرات الرّعايا ، وأخذوا الأموال من غير وجوهها وتعرّضوا إلى أموال الأوقاف والأيتام ، فتعرّض ولاة خراسان لبرمك ولولده وطالبوهما بالأموال ، وكان تحت يد برمك أوقاف جليلة ، فهرب هو وولده من أعمال خراسان إلى بلاد الهند ، فأقاموا بها إلى أن ظهرت الدّولة العبّاسيّة ، فرأى الحسين بن برمك طيبة العود الهندىّ وزهد التّجّار فيه ، فاستجاده ، واشترى منه واستكثر ؛ ثم قدم خالد بن برمك وأخوه الحسين وأهلهما على المنصور أبى جعفر لمّا أفضت الخلافة اليه ، فاصطنعهم وأدناهم وقرّبهم ؛ فدخل الحسين يوما على المنصور وهو يتبخّر بالعود القمارىّ ، فأعلمه أنّ عنده ما هو أطيب منه رائحة [ وأنه « 2 » حمله معه من الهند ؛ فأمره المنصور بحمل ما عنده منه ، فحمله اليه ، فآستجاده المنصور ، وأمر أن يكتب إلى الهند في حمل الكثير منه ، ولم تكره تلك المرارة
--> « 1 » تقدم الكلام على ( قمار ) التي ينسب إليها هذا النوع من العود في الحاشية رقم 2 من صفحة 13 من هذا السفر ، فانظرها . « 2 » هذا الكلام الذي بين مربعين لم يرد في ( ا ) .